مجمع البحوث الاسلامية

645

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

ومن هذه الآية الكريمة احتجّ الشّافعيّ على أنّه لا يصحّ البيع إلّا بالقبول ، لأنّه يدلّ على التّراضي نصّا ، بخلاف المعاطاة ، فإنّها قد لا تدلّ على الرّضا . . . [ ثمّ ذكر مخالفة الجمهور في ذلك ، ونقل أقوال الفقهاء في بعض شرائط البيع وأحكام المعاطاة ، فراجع : ] ( 2 : 253 ) الآلوسيّ : [ نحو الزّمخشريّ وأضاف : ] وجوّز أن يراد بها انتقال المال من الغير بطريق شرعيّ ، سواء كان تجارة أو إرثا أو هبة ، أو غير ذلك من استعمال الخاصّ وإرادة العامّ . وقيل : المقصود بالنّهي : المنع عن صرف المال فيما لا يرضاه اللّه تعالى ، وبالتّجارة : صرفه فيما يرضاه ، وهذا أبعد ممّا قبله . ( 5 : 15 ) محمّد عبده : قالوا إنّ الآية دليل على تحريم ما عدا ربح التّجارة من أموال النّاس - أي كالهديّة والهبة - ثمّ نسخ ذلك بآية النّور المبيحة للإنسان أن يأكل من بيوت أقاربه وأصدقائه ، وهو افتراء على الدّين لا أصل له - أي لم تصحّ روايته عمّن عزي إليه - إذ لا يعقل أن تكون « الهبة » محرّمة في وقت من الأوقات ولا ما في معناها كإقراء الضّيف ، وإنّما يكون التّحريم فيما يمانع فيه صاحب المال ، فيؤخذ بدون رضاه أو بدون علمه ، مع العلم أو الظنّ بأنّه لا يسمح به . وإنّما استثنى اللّه التّجارة من عموم الأموال الّتي يجري فيها الأكل بالباطل ، أي بدون مقابل ، لأنّ معظم أنواعها يدخل فيها الأكل بالباطل ، فإنّ تحديد قيمة الشّيء وجعل عوضه أو ثمنه على قدره بقسطاس الحقّ المستقيم عزيز وعسير إن لم يكن محالا . فالمراد من الاستثناء : التّسامح بما يكون فيه أحد العوضين أكبر من الآخر ، وما يكون سبب التّعاوض فيه براعة التّاجر في تزيين سلعته وترويجها بزخرف القول ، من غير غشّ ولا خداع ولا تغرير كما يقع كثيرا ، فإنّ الإنسان كثيرا ما يشتري الشّيء من غير حاجة شديدة إليه ، وكثيرا ما يشتريه بثمن يعلم أنّه يمكن ابتياعه بأقلّ منه من مكان آخر ، ولا يكون سبب ذلك إلّا خلابة التّاجر وزخرفه ، وقد يكون ذلك من المحافظة على الصّدق واتّقاء التّغرير والغشّ ، فيكون من باطل التّجارة الحاصلة بالتّراضي ، وهو المستثنى . والحكمة في إباحة ذلك التّرغيب في التّجارة ، لشدّة حاجة النّاس إليها ، وتنبيه النّاس إلى استعمال ما أوتوا من الذّكاء والفطنة في اختبار الأشياء ، والتّدقيق في المعاملة حفظا لأموالهم الّتي جعلها اللّه لهم قياما أن يذهب شيء منها بالباطل ، أي بدون منفعة تقابلها . فعلى هذا يكون الاستثناء متّصلا ، خرج به الرّبح الكثير الّذي يكون بغير غشّ ولا تغرير ، بل بتراض لم تنخدع فيه إرادة المغبون ، ولو لم يبح مثل هذا لما رغب في التّجارة ، ولا اشتغل بها أحد من أهل الدّين على شدّة حاجة العمران إليها وعدم الاستغناء عنها ؛ إذ لا يمكن أن تتبارى الهمم فيها مع التّضييق في مثل هذا . وقد شعر النّاس منذ العصور الخالية بما يلابس التّجارة من الباطل ، حتّى إنّ اليونانيّين جعلوا للتّجارة والسّرقة إلها أو ربّا واحدا ، فيما كان عندهم من الآلهة والأرباب ، لأنواع المخلوقات وكلّيّات الأخلاق والأعمال .